
المحامي سعيد بوعقل
منذ العام 1986، شاءت الظروف أن أكون قريباً من النائب الراحل سمير عازار، مرافقاً لمسيرته السياسية والإنمائية، وشاهداً على مرحلة مفصلية من تاريخ جزين والمنطقة. وبعد رحيله، بقيت على الصداقة نفسها والوفاء نفسه مع النائب السابق إبراهيم عازار، لا انطلاقاً من علاقة شخصية فحسب، بل من قناعة راسخة بنهج سياسي عرفت جذوره وعايشت تفاصيله على مدى عقود.
فهذا البيت السياسي لم يولد بالأمس، بل تعود جذوره إلى أربعينات القرن الماضي مع انتخاب النائب الراحل إبراهيم أسعد عازار، الذي أسس مدرسة سياسية قائمة على الاعتدال والانفتاح والعلاقة المتوازنة مع جميع المكونات اللبنانية، مدرسة نجحت في حماية جزين ومنطقتها في أحلك الظروف التي مر بها لبنان.
ثم جاء النائب الراحل سمير عازار ليحمل هذه الأمانة، مضيفاً إليها رؤية إنمائية جعلت من جزين، بعد تحرير الجنوب عام 2000، ورشة عمل دائمة ومقصداً سياحياً وإنمائياً متألقاً، عبر عشرات المشاريع الحيوية والبنى التحتية التي ما زالت شاهدة على تلك المرحلة.
لذلك، وأنا أتابع المقابلة التي أجرتها الإعلامية كلود أبو ناضر مع عدد من الفعاليات الجزينية، لم أفاجأ بمواقف النائب السابق إبراهيم عازار. بل رأيت فيها الامتداد الطبيعي لمسيرة سياسية أعرفها جيداً، وأعرف الأسس التي قامت عليها.
في وقت اختار فيه البعض لغة التخويف أو المزايدة أو التردد، تحدث إبراهيم عازار بالمنطق نفسه الذي عرفناه دائماً: منطق الاعتدال، والانفتاح، والتمسك بوحدة المجتمع، ورفض التحريض بين أبناء الوطن الواحد.
ولعل ما يميز الرجل أنه لم يكتف بالكلام عندما اشتدت المحنة، بل كان حاضراً في الميدان منذ اللحظات الأولى للعدوان، يتابع أوضاع النازحين القادمين من قرى وبلدات الجنوب، ويساهم في تأمين احتياجاتهم ومعالجة مشاكلهم، واضعاً الاعتبارات الإنسانية والوطنية فوق كل الحسابات الضيقة.
أما ما لفتني أكثر من المقابلة نفسها، فهو حجم التفاعل الشعبي الذي تلاها. فالكلمات الصادقة تصل دائماً إلى الناس، لأن الناس تميز بين من يتحدث انطلاقاً من قناعة وبين من يتحدث تحت ضغط اللحظة أو حساباتها.
لقد قرأت عشرات التعليقات والإشادات التي كُتبت بعد الحلقة، ولم أر فيها مجرد تأييد لشخص أو لموقف سياسي، بل رأيت تقديراً لمسيرة طويلة من الاعتدال والعقلانية والانفتاح والصدق في التعامل مع الناس.
وفي زمن ترتفع فيه الأصوات المتشنجة، وتكثر فيه محاولات زرع الخوف والانقسام بين أبناء المنطقة الواحدة، يبقى صوت الاعتدال أكثر حاجة من أي وقت مضى.
لذلك أقول، من موقع من عرف هذا البيت عن قرب لأكثر من أربعين عاماً، إن قيمة الرجال لا تُقاس بما يقولونه في الأيام العادية، بل بما يقولونه ويفعلونه عندما تشتد الأزمات.
وقد أثبت إبراهيم عازار في هذه المرحلة، كما أثبت من قبله والده وجده، أن الاعتدال ليس موقفاً رمادياً كما يعتقد البعض، بل شجاعة أخلاقية ووطنية تتطلب أحياناً من الجرأة أكثر مما تتطلبه المواقف الصاخبة.
الأيام الصعبة تمضي ،اما الرجال فتُظهر معادنهم.

